أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
322
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وكذلك قوله : ما كانُوا يَعْمَلُونَ . يجوز أن تكون بمعنى الذي ، وأن تكون مصدرية ، أي : وبطل الذي كانوا يعملونه ، أو عملهم . وهذا المصدر يجوز أن يكون على بابه ، وأن يكون واقعا موقع المفعول به ، بخلاف « ما يَأْفِكُونَ » فإنه يتعين أن يكون واقعا موقع المفعول به ، ليصح المعنى ، إذ اللّقف يستدعي عينا يصح تسلطه عليها . وقال الفراء - في هذه الآيات - : كيف صح أن يأمرهم موسى بقوله : « أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ » * مع أن إلقاءهم سحر وكفر ؟ وأجاب بأن المعنى : ألقوا إن كنتم محقين ، وألقوا على ما يصح ويجوز انتهى » . والظاهر أنه إنما أمرهم بذلك تعجيزا لهم ، وقطعا لشغبهم واستطالتهم ، ولئلا يقولوا : لو تركنا نفعل لفعلنا ، ولأن الأمر لا يستلزم الإرادة . قوله : فَغُلِبُوا هُنالِكَ . « هُنالِكَ » يجوز أن يكون : مكانا ، أي : غلبوا في المكان الذي وقع فيه سحرهم ، وهذا هو الظاهر . قيل : ويجوز أن يكون زمانا ، وهذا ليس أصله ، وقد أثبت له بعضهم هذا المعنى بقوله تعالى : هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ، وبقول الآخر : 2280 - . . . * فهناك يعترفون أين المفزع « 1 » ولا حجة فيهما ، لأن المكان فيهما واضح . قوله : « صاغِرِينَ » حال من فاعل « انْقَلَبُوا » . والضمير في « انْقَلَبُوا » يجوز أن يعود على « قَوْمِ فِرْعَوْنَ » ، وعلى « السَّحَرَةُ » ، إذا جعلنا الانقلاب قبل إيمان السحرة ، أو جعلنا « انْقَلَبُوا » بمعنى : صاروا ، كما فسره الزمخشريّ ، أي : صاروا أذلاء مبهوتين متحيرين . ويجوز أن يعود عليهم دون السحرة ، إذا كان ذلك بعد إيمانهم ، ولم يجعل « انْقَلَبُوا » بمعنى : صاروا ، لأن اللّه تعالى لا يصفهم بالصغار بعد إيمانهم . قوله : ساجِدِينَ . حال أيضا من « السَّحَرَةُ » ، وكذلك « قالُوا . . . » ، أي : ألقوا ساجدين قائلين ذلك ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر في « ساجِدِينَ » ، وعلى كلا القولين هم متلبسون بالسجود للّه تعالى ، ويجوز أن يكون مستأنفا لا محل له . وجعله أبو البقاء حالا من فاعل « انْقَلَبُوا » ، فإنه قال « يجوز أن يكون حالا ، أي : فانقلبوا صاغرين قد قالوا » . وهذا ليس بجيد للفصل بقوله : « وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 122 إلى 129 ] رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 124 ) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ( 127 ) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 )
--> ( 1 ) تقدم .